سولاف أول ما شافت سالم واقف بهيبته وبدلته الميرمية الرسمية، قلبها دق بدقة غريبة.. حست لأول مرة بالأمان، الأمان اللي افتقدته من يوم الحادثة البشعة اللي حصلت لها.. الراجل ده رغم قسوته وجفافه، بس بوجوده بتحس إن مفيش مخلوق يقدر يمسها بسوء.
سالم لمحهم، قرب منهم وبص لرنا: “أنتي إيه اللي جابك من كليتك يا هانم؟” رنا بدلع وخوف منه: “يا أبيه مش قادرة أسيب سولاف لوحدها في الظروف دي، وبعدين أنا طمنتها، قولت لها إنك بقيت جوزها وسندها ومستحيل تتخلى عنها.
” سالم عينه جت على سولاف اللي وشها احمر فجأة وبصت في الأرض بكسوف.. سالم ضغط على سنانه وبص لرنا بـ شرار: “رنا.. تعالي معايا كلمتين.” أخد أخته على جنب بعيد عن سولاف، وصوته طلع واطي وحاد زي الموس: “أنا قولت إيه يا رنا؟
! الجوازة دي ورق وبس، ومحبش النغمة دي تتكرر قدامها.. أنا مش سند لحد، وأول ما الست دي تقوم بالسلامة، كل واحد يروح لحاله، فاهمة ولا لأ؟! ماتخلينيش أندم إني سمعت كلامك!” رنا سكتت بخوف وهزت راسها..
بس سولاف كانت واقفة من بعيد، وشايفة عصبيته ونظراته، وحست إن الكلمتين كالعادة كانوا عليها.. حست بالوجع يدب في قلبها الصغير، واكتشفت إن التحدي الأسود مش بس إنها تتخطى أزمتها.. التحدي الحقيقي هو إزاي تعيش في سجن راجل بيكره وجودها، وفي نفس الوقت هو الوحيد اللي قادر يحميها!
مرت الـ 48 ساعة وسولاف ورنا مقيمين في المستشفى، وسالم مابين المديرية والمستشفى وعينه على كل حاجة من بعيد لبعيد، بيشرف على العلاج وبيدفع الحسابات وكأنه بينفذ مأمورية عسكرية بقمة الانضباط، بس رافض يقرب من سولاف أو يوجه لها كلمة زيادة.
وأخيرًا، الدكتور سمح للجدة بالخروج بعد ما حالتها استقرت، بس اشترط راحة تامة وممنوع المجهود أو الحركة. شالوا الجدة وركبوها العربية، وسالم كان بيسوق وعيونه حادة وساكت طول الطريق. أول ما وصلوا تحت بيت سولاف القديم، سالم وقف العربية ومطفاش الموتور، وبص في المراية لرنا وسولاف وقال بنبرة حاسمة وصوت رخيم: “رنا.
. انزلي هاتي الهدوم والأدوية بتاعة الحاجة من الشقة فوق، ولمي هدوم سولاف وكل حاجتكم المهمة في شنطة بسرعة.” سولاف اتخضت وبصت له بعيونها الزرقا الواسعة وبصوت مرتعش: “شنطة إيه يا أبيه؟ وإحنا رايحين فين؟” سالم دار ليها وبص لها بنظرة صارمة خلتها تكتم أنفاسها: “أنتي فاكرة إني هسيبكم هنا لوحدكم في حارة مفيهاش راجل يحميكم؟
وجدتك بالمنظر ده لو تعبت نص الليل مين هيشيلها؟ أنتي هتنقلي تقعدي في بيتي.. ده مش اختيار يا بنت الناس، ده أمري، ويلا يا رنا اخلصي.” رنا هزت راسها بلهفة ونزلت تجري وهي مبسوطة إن أخوها رغم قسوته بيحميهم، أما سولاف فكانت قاعدة ورا، ضامة إيدها وصدرها بيعلو ويهبط من التوتر.
. هتروح تعيش معاه في بيته؟ الراجل اللي قال لها إنها مجرد “كرسي” وواجب ثقيل على قلبه؟! بعد نص ساعة، كانت الشنط في الشنطة ووصلوا لعمارة فخمة جداً في حي راقي، مكان ملوش علاقة بالحارة الضلمة اللي سولاف جاية منها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.