. كتر خيرك، أنا عارفة إن قلبك كبير ومستحيل تخذلني.. هروح أطمنها وأقول لها إن الرائد سالم المنشاوي بقى في ضهرها! سالم زعق فيها وهو بيشاور بصباعه بتهديد: استني هنا! ملمحكيش تلمحي ليها بكلمة عن طبيعة شغلي، ولا عن أي حاجة تخص حياتي..
الجواز ده هيتم في السر، من غير شوشرة ولا حد من زمايلي في المديرية يشم خبر.. هاتي عنوانها، وأنا بكرة هروح بنفسي أشوف حكاية البنت دي إيه مع جدتها. في نفس الوقت، في بيت قديم وتعبان في حارة هادية.
. كانت “سولاف” قاعدة في ركن الأوضة الضلمة، ضامة رجليها لصدفها وبتعيط بـ شهقات مكتومة وصوت مكسور تماما. ملامحها البريئة والناعمة كانت باهتة، وعيونها اللي بلون السما دبلانة من كتر السهر والخوف.. كانت بتفتكر اللي حصل لها، وكل حتة في جسمها بتترعش كأنها لسه عايشة الكابوس حالا.
. حتة زجاج مكسور فعلا، رقيقة لدرجة إن أي نسمة هوا تجرحها. حكايات مايا خالد دخلت عليها جدتها العيانة، بتجر رجلها بالعافية وساندة على الحيطة، وصوتها كله كحة وتعب: مالك يا قلب ستك؟ بتعيطي ليه يا سولاف من وقت ما جيتي من الجامعة؟ حد زعلك يا بنتي؟
سولاف مسحت دموعها بسرعة وحاولت ترسم ابتسامة باهتة عشان متوجعش قلب جدتها اللي عايشة عشانها: مفيش يا تيتا.. ده بس ضغط الامتحانات والدراسة مأثر عليا.. ادخلي أنتي ارتاحي وخدي علاجك وأنا هعمل لك لقمة تاكليها.
الجدة هزت راسها بحنان ويدها بتترعش: ربنا ينجحك يا بنتي ويوقف لك أولاد الحلال اللي يصونوكي.. أنا مش شايلة هم في الدنيا دي غيرك، ونفسي أشوفك مستورة في بيت راجل بيتقي الله فيكي قبل ما أموت وأسيبك لوحدك. كلمة “مستورة” نزلت على قلب سولاف زي الخنجر..
حست بالرعب ودموعها نزلت غصب عنها وهي بتفكر: “راجل إيه اللي هيقبل بيا بعد اللي جرالي؟! أنا خلاص انتهيت يا تيتا.. انتهيت!” وتاني يوم العصر.. وقفت عربية سالم السودا الفخمة على أول الحارة، ونزل منها بهيبته وطوله الفارع، وجاكتته الجلد السودا وعيونه الحادة اللي بتراقب كل شبر حواليه بـ حذر وضيق.
. كان حاسس إنه داخل على سجن هيدبس فيه نفسه بإيده. سالم وقف قدام باب البيت القديم، ورفع إيده وخبط خبطات قوية ومنتظمة.. خبطات كانت بتعلن بداية جحيم وتحدي أسود بين قلب ميت ومبيعرفش الرحمة، وبين براءة هشة مستنية اللي ينقذها!
الباب اتهز من قوة الخبطات، وسولاف اتنفضت في مكانها والرعب شل حركتها. جرت بسرعة على باب الأوضة وبصت لجدتها اللي كانت قايمة بتتحرك ببطء وتعب وتقول: “مين اللي بيخبط بالغل ده كله يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم؟
” سولاف بلهفة وخوف: خليكي أنتي يا تيتا ارتاحي، أنا هشوف مين. حطت طرحتها على راسها بإيد بتترعش، وقربت من الباب وبصت من العين السحرية.. لمت ملامح راجل طويل، عريض المنكبين، لابس نظارة شمس سودا ومربع إيده بضيق شديد، وهيبته لوحدها تخوف بلد.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.